القائمة الرئيسية

الصفحات

أبعاد العلاقة : مدرس – متعلمين

أولا: البعد البيداغوجي للعلاقة مدرس /تلاميذ: لقد كانت التربية التقليدية منشغلة فقط بتحصيل المعرفة واكتسابها و اقتناءها، أما التربيةالحديثة فإنها أصبحت تركز على مواضيع جديدة مثل: تطور الطفل, نمو الشخصية, القدرة على التعبير والإفصاح والقدرة على البحث والابتكار.

1- تحديد إجرائي للبيداغوجيا :
قصد تحديد إجرائي للبيداغوجيا، يمكن أن ننطلق من التعريف الذي وضعه”أندري باري”والذي يشمل ثلاث عناصر أساسية هي:
-المتعلم : طفل أو راشد له خصوصيات محددة ومستوى معين من النمو.
-المربي : له أيضا خصوصياته و مستوى محدد من التطور وثقافة مختلفة عن ثقافة المتعلم .
-المحيط : الذي يتم فيه فعل التعلم.
انطلاقا من هذا الثالوث فإن التعريف الإجرائي للبيداغوجيا يراعي مبدأ التفاعلات والعلاقة بين المتعلم والمربي والمحيط ،و إذا عمدنا إلى تحليل هذا التفاعل فانه يقودنا إلى تحديد ثلاث نماذج تعليمية، يمكن أن نركز عليها في تحليل العلاقة البيداغوجية ويشمل كل منها عددًا من الطرق التربوية المختلفة :
* النموذج المتمركز حول المدرس : هو نموذج يقوم على دور المدرس في فعل التعليم ـ التعلم فهو بكفاءته ومهارته و تجاربه و معارفه، الفاعل الأساسي في هذا الفعل التعليمي ، فنجاح هذا الفعل رهين بتوفر هذه الشروط.
* النموذج المتمركز حول التلميذ : يقوم على فعالية التلميذ في فعل التعليم ـ التعلم، فهو يأخذ بعين الاعتبار شخصية التلميذ الإيجابية وقدراته العقلية وميولا ته الوجدانية و بنيته النفسية .
* النموذج المتمركز حول المعرفة : هو نموذج يقوم على أهمية المادة أو المحتوى ، فلا مواصفات المدرس ولا خصائص التلميذ تعتبر فعالة في فعل التعليم ـ التعلم ,بل إن طريقة تنظيم المحتوى و بنيته هي مركز التعلم.
وبما أن موضوع بحثنا يتناول العلاقة بين المدرس و التلاميذ، فإننا سنقتصر فقط في تحليلنا على النموذجين الأولين:
مميزات النموذج المتمركزحول المدرس :
يتميز هذا النموذج باستعمال الطريقة الإلقائية حيث يقوم على تبليغ وإلقاء المحتوى والمعرفة، من طرف المدرس باعتباره مالكا لهذه المعرفة ، إلى التلميذ باعتباره جاهلا لها. و في هذا النموذج يمتاز المدرس بثلاث وظائف هي:
الإنتاج : فهو الذي يخطط لتطور الدرس زمنيا على شكل مراحل و تقطعات، وهو المسؤول عن انجاز الدرس أمام التلميذ وليس معهم.
التسيير : حيث أن المدرس يتكلف بمهمة تسيير جماعة القسم و تنظيمها، إذ هذا التنظيم يخدم بالأساس دور المدرس في تلقين المعرفة.
الضبط : إنه يراقب التلاميذ، و قد يعاقبهم، عقابا ماديا أو معنويا، يطلب الجواب من هذا التلميذ وينبه الآخر بالانضباط. إنه في نهاية الأمر هو صاحب المبادرة وصاحب السلطة.
مقارنة إبيستيمولوجية لتحليل هذا النموذج:
إن هذا النموذج يقوم على اعتقاد أن المعرفة ذات وجود قبلي، وهي سر يجب تبليغه من عارف إلى جاهل ، وبهذا تصبح هذه المعرفة أداة للقوة والسيطرة ، هذا ما يسمى بالدوغماطية أي الإلقائية . وكذلك إن هذا النموذج ينبني على تصور سلبي للتلميذ حيث أنه لايمتلك قدرات على بناء المعرفة ، فهو دائما بحاجة إلى المدرس كوسيط بينه وبين المعرفة.
ويمكن تلخيص هذا النموذج كالتالي :
من الناحية المعرفية البنائية فهو يؤدي إلى الدوغماطية .
من الناحية الوجدانية العلائقية فهو يتجسد في السلطوية.
مميزات النموذج المتمركز حول التلميذ:
إن هذا النموذج يقوم على طرح المشكل من طرف المدرس من خلال وضعيات مناسبة حيث يحفز التلاميذ للبحث عن المعرفة واكتشافها ، مما يتيح للتلاميذ توظيف قدراتهم العقلية من اجل الفضول والابتكار.
مقارنة إبيستيمولوجية لهذا النموذج:
إن هذا النموذج يقوم على أساس التفاعل بين المدرس والتلميذ من خلال إتاحة الفرصة للتلميذ للتعبير والاكتشاف و المبادرة دون الاتكال على المدرس.
إن الحوار الساخن بين الأطفال يعتبر في النموذج المتمركز حول المدرس شغبًا يجب العقاب عليه. لكن في هذا النموذج يمثل جملة من المظاهر هي:
v ردود فعل غير مصطنعة بين الأطفال.
v تفاعل حقيقي وتبادل للخبرات والتجارب.
v تواصل شامل بين التلاميذ وليس فقط بينهم وبين المدرس .
v عدم الشعور بالفشل وانعدام الإحساس بصعوبة المهمة المنوطة بهم، من هنا يتخلل القسم شعور بالنجاح والاعتزاز بالذات والارتياح.
ثانيا: البعد التواصلي للعلاقة مدرس /تلاميذ:
إن علاقة التواصل مدرس / تلاميذ تختلف باختلاف نماذج التعليم حيث أن كل نموذج بيداغوجي يقدم تصورات حول العلاقة بين المدرس و التلاميذ ، و في ذات الوقت يحدد دينامية العلاقة التواصلية بين هذه الأطراف.
1- النموذج المتمركز حول المدرس:
يرتبط هذا النموذج التقليدي بتصور مفاده أن الفعل التربوي يمارس من طرف المدرس على التلميذ، بهدف تبليغ جملة من المعارف و المعلومات. فهذا التبليغ هو إخبار وليس تواصل، حيث أن المدرس حين تبليغه و إلقائه للدرس لا يهتم برد فعل المتعلم فالتفاعل بين الطرفين يكون منعدما أو مقلصا، لأن المتعلم يتلقى و يستهلك المعرفة و يخزنها فقط ، و بالتالي ففعل التواصل هنا هو فعل عمودي من مدرس إلى تلاميذ.
ثم إن الهدف من هذا التواصل يرتكز على النجاح أو الفشل حيث يفترض في التلميذ أن يبرهن بعد التلقي من خلال فعل لفظي أو سلوكي على درجة نجاحه أو فشله في تخزين المعرفة.
2-النموذج المتمركز حول التلميذ:
يقوم فعل التواصل البيداغوجي هنا على أساس مركزية التلميذ في فعل التعليم –التعلم من خلال حريته وقدرته الذاتية على التعلم واعتباره هو الفاعل الأساسي في تعليم ذاته من خلال مبادرته و تجاربه ونشاطه ، لذلك فإن مبدأ التعاون والتفاعل والتبادل أساسي بين الطرفين والإبداعية الذاتية تشكل في هذا النموذج أهدافا متوخاة من التعليم والتعلم، وانطلاقا من الفاعلية الإيجابية للمتعلم يصبح هو محور عملية إرسال المعلومات، بينما يتحول المدرس إلى متلق يكتفي بمساعدة التلميذ وتوجيهه باعتبار التلميذ شريك في البحث عن المعرفة و ليس مستهلكا لها فقط . إذ يتحقق إرسال أفقي بين أفراد الجماعة مدرس ـ تلاميذ.
ومن خلال هذا الإرسال الأفقي فإن رد فعل المتلقي يثير رد فعل المرسل أو العكس، إذن فطيلة فعل التواصل يكون هناك رد فعل على رد فعل، أي ما يسمى بالفيدباك أو رد الفعل الرجعي.
2/1) أشكال الفيد باك : يمكن أن نستفيد من أربعة أشكال هي :
v فيدباك يتم عن طريق استجابة التلميذ لأمر صادر عن المدرس يقصد به معرفة مدى استيعاب المتعلم للرسالة أو المعلومة.
v فيدباك يتم عن طريق أسئلة نهائية يوجهها المدرس للتلاميذ عند نهاية الدرس و يكون الهدف منها الحصول على الانتباه والضبط وهو يتجسد في إحدى مفاتيح العقاب.
v فيدباك يأتي على شكل أسئلة التلاميذ للمدرس غالبا في نهاية الدرس، فتأتي إجابته لضبط أو توضيح أو إضافة لمضمون الدرس.
v فيدباك يأتي على شكل علامات غير لفظية مثل ملامح الوجه وحركات الأعضاء وهي تشكل مؤشرا ت على كيفية تلقي الدرس أو المعلومة.
2/2 ) أثر الفيدباك في فعل التواصل البيداغوجي :
يثير الفيدباك إمكانية الحصول على :
– معاينة العوائق على التواصل بين مدرس تلاميذ.
– معرفة مستوى وقدرات التلاميذ.
– تكييف الرسالة وفق هذه المعطيات إذ تتاح للمدرس إمكانية تعديلها أو ضبطها على ضوء ردود الفعل المختلفة التي يظهرها التلاميذ.
2/3) دور الفيد باك في فعل التواصل البيداغوجي :
إنه يقوي الإحساس بالأمن والطمأنينة ويقلص القلق والشك، فعندما يكون فيد باك إيجابيا يدل على حصول التواصل واستمراره وهذا يرفع من ثقة المدرس في نفسه , وإذا كان هذا الفيد باك سلبيا يؤشر على ضعف التواصل و يدفع بالمدرس إلى تغيير أو تصحيح أو تعزيز مضمون الرسالة أو كيفية الإرسال.
ثالثا: البعد السيكولوجي للعلاقة مدرس / تلاميذ:
من خلال تحليل العلاقة مدرس / تلاميذ في بعدها السيكولوجي سوف نركز على تصورين مختلفين هما:
-تصور يعتمد على مركزية المدرس و سلطته في فعل التعليم و التعلم.
-تصور يعتمد على مركزية التلميذ و حريته في فعل التعليم و التعلم.
وبما أن التصورين قد تم توضيحهما من الوجهة التاريخية و البيداغوجية و التواصلية إلا أننا في هذا البعد سنضيف البعد السيكولوجي الذي ينطلق من الأسس النفسية لكل تصور .
1- الأسس و الأبعاد النفسية للنموذج المتمركز حول المدرس:
من خلال هدا النموذج فإن المدرس هو الذي يفرض المحتوى على التلاميذ انطلاقا من المقرر، إذ عن طريق التدعيم و التكرار يصل إلى تلقين المعرفة. فلذلك هذه الممارسة لا تهتم بالتلميذ و نفسيته مما يؤدي إلى مخلفات نفسية على التلميذ نحدد منها ما يلي :
-التعلم المؤقت: إن التلاميذ داخل علاقة الفرض و الالتزام، يعمدون إلى إرضاء المدرس و الآباء فقط، حيث ينسى التلاميذ كل ما تعلموه بمجرد انتهاء الفترة المحددة للتعلم.
– التبعية : إن النموذج المتمركز حول المدرس يؤدي دومًا إلى تعظيم هذا الأخير و اعتباره المنبع الأساسي للمعرفة و بالتالي إلغاء ذات المتعلم و إمكاناتها، الأمر الذي يكون تلاميذ عاجزين على إبداء الرأي و الخلق، لأنهم تعودوا دائما على الأخد فقط.
– السيطرة: يذكر هذا النموذج دائمًا بعلاقة القوي بالضعيف، فالأول يفرض أفكاره بغية الحفاظ على سيطرته و هيمنته على الطرف الثاني، و يعتمد أدوات الثواب و العقاب و التكرار، الأمر الذي يجعل العلاقة الإنسانية داخل الفعل التعليمي مفقودة.
2- الأسس و الأبعاد النفسية للنموذج المتمركز حول التلميذ:
إن هذا النموذج يهدف إلى حرية واستقلالية التلميذ أثناء فعل التعليم ـ التعلم ، لذلك فإن تحليل الأسس النفسية لهذا النموذج سيرتكز على:
– الجانب الحيوي للتلميذ.
– الجانب المعرفي و تطوره.
– الجانب الانفعالي للتلميذ.
2/1 ) تحليل الجانب الحيوي:
إن التلاميذ في هذا النسق البيداغوجي ينطلقون من خبراتهم الشخصية ، فالقسم بالنسبة إليهم وسط تلتقي فيه الخبرات المختلفة لكل التلاميذ هذا ما يقوي ميلهم ورغبتهم للعمل فيه، و يزيد من حيويتهم عن طريق التفاضل و التكامل في الخبرات، والمدرس هنا كغيره من التلاميذ له مجاله الحيوي حيث يحمل خبراته الخاصة التي يمكن الاستفادة منها كما يمكن أن يستفيد بدوره من خبرات التلاميذ.
2/2) تحليل الجانب المعرفي:
إن العلاقة المتمركزة حول التلاميذ تحترم خصوصياتهم النمائية ،لأنها تترك لهم حرية إدراك الأشياء من مواقف تعليمية يصنعونها بمحض إرادتهم، وفق درجة نموهم وليس وفق المدرس الراشد. إذن فالتلميذ هنا يعيش حياته الدراسية بتفكيره حسب خصوصياته المعرفية وليس حسب خصوصيات و تفكير المدرس .
2/3) تحليل الجانب الانفعالي:
إن التطور والنمو الطبيعي يصاحبه التطور الانفعالي، وإن الإحباطات الاجتماعية والأوامر والنواهي يمكن أن يعرقل هذا التطور الطبيعي .ولقد بين “فرويد” في هذا الإطار أن الذات الخاضعة للمنع والقمع والإحباط تتأثر بذلك وتستجيب له بأساليب متعددة متنوعة، ذلك أن القمع الواقع داخل القسم يستمر في إحباط رغبات التلميذ الطبيعية، ويتحول عن طريق الكبت إلى منطقة اللاشعور لتيسير عملية التكيف بين ذات التلميذ والقمع المطبق من طرف المدرس، إلاأن تلك الخبرات اللاشعورية لا تموت بل إنها تظل مختفية ومترقبة لكل فرصة مناسبة للتعبير عن نفسها ، فهي خائفة من الواقع ولكنها تحتج و تهاجم انتقاما من حرمانها. ويعبر اللاشعور عن هذا الحرمان بعدة تقنيات أو ميكانيزمات (النسيان, زلات لسان,المخاوف…..). إذن من خلال التحليل النفسي نستنتج أنه في الحقل البيداغوجي يمكن أن نفرض على التلميذ ما نريده ونوجهه كما نشاء إلا أن هذا لا يعني أن التلميذ مرتاح لتلك العلاقات المبنية على الفرض و حرمانه من حريته.
خاتمة:
إذا كانت الطبيعة البيولوجية للطفل في جوهرها تهدف إلى الاستقلال والاعتماد على الذات فإن الطبيعة النفسية حسب التصور السيكوبيداغوجي المتمركز حول التلميذ، تهدف بدورها إلى الاستقلال والتحرر ، ذلك أن التطور الذاتي للطفل يسعي دائما إلى التوازن حسب “بياجي”، كما أن التطور الذاتي لبناء الشخصية حسب “فرويد” يسعى بدوره إلى التكيف. كل هذا يبين أن التلميذ قادرا أن يتعلم بمحض إرادته واختياره ، وأن المدرس الذي يدخل معه ضمن هذه العلاقة الاختيارية يكون قد لبى الطبيعة النفسية للتلميذ ، و على هذا المستوى تصبح العلاقة البيداغوجية الحقيقية هي التي تنطلق من الواقع النفسي للتلميذ وبالتالي تكون مركزية التلميذ في فعل التعليم ـ التعلم هي الأسلوب الناجع لتحقيق أسمى علاقة تربوية مدرس تلميذ. 
--------------------

تعليقات